ابن حزم

484

الاحكام

ربه تعالى ، فلما صح كل ما ذكرنا أيقنا أنه إذا علم شيئا كان قد حرمه ثم علمه ولم يغيره - : أن التحريم قد نسخ ، وأن ذلك قد عاد حقا مباحا ومعروفا غير منكر . وأما إن كان قد تقدم في ذلك الشئ نهي فقط ثم رآه صلى الله عليه وسلم أو علمه فأقره ، فإنما ذلك بين أن ذلك النهي على سبيل الكرامة فقط ، لأنه لا يحل لاحد أن يقول في شئ من الأوامر ، إن هذا منسوخ إلا ببرهان جلي ، إذ كلها على وجوب الطاعة لها ، وما تيقنا وجوب طاعتنا له ، فحرام علينا مخالفته لقول قائل : هذا منسوخ ، ولو جاز قبول ذلك ممن ادعاه بلا برهان لسقطت الشرائع كلها ، لأنه ليس قول زيد وعمرو ومالك والشافعي وأبي حنيفة : هذا منسوخ ، بأولى من قول كل من على ظهر الأرض - فيما يستعمله من ذكرنا - : هذا أيضا منسوخ . وقد قال تعالى : * ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) * ومن قال في شئ من أوامر الله تعالى ، أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم : هذا منسوخ أو هذا متروك ، أو هذا مخصوص ، أو هذا ليس عليه العمل ، فقد قال : دعوا ما أمركم به ربكم أو نبيكم ولا تعملوا به ، وخذوا قولي وأطيعوني في خلاف ما أمرتم به . قال أبو محمد : فحق من قال ذلك أن يعصى ، ولا يلتفت إلى كلامه ، إلا أن يأتي ببرهان من نص أو إجماع ، كما قدمنا في فصل كيفية معرفة المنسوخ من المحكم . قال أبو محمد ومما ذكرنا أنه نهى عنه صلى الله عليه وسلم ، ثم رآه فلم ينكره نهيه المصلين خلف الجالس عن القيام . ثم صلى عليه السلام في مرضه الذي مات فيه جالسا ، والناس وراءه قيام ولم ينكر عليه السلام ذلك ، فصح أن ذلك النهي الأول ندب ، إلا من فعل ذلك إعظاما للامام ، فهو حرام على ما بين عليه السلام يوم صلاته إذ ركب فرس أبي طلحة فسقط .